قبل موته، نسج «رفعت العرعير» في قصيدته كذبة جمالية أخيرة وبذلها للعالم، كذبة يُعيد فيها تدوير ذكراه ووجوده ليتحول إلى طائرة ورقية بيضاء ناصعة، تخدع عيون الأطفال فيظنوها ملاك قادم من السماء بالأمل.
أيقن «رفعت» بموته، لكنه ارتعد من فكرة أن ينتقل هذا اليقين للأطفال، أنهم سيموتون عما قريب، لا يوجد طفل يستحق أن ينظر وجهًا لوجه إلى فنائه الشخصي.
في تُحفة ميازاكي
spirited away
يقع على الطفلة «شيهيرو» عبء إنقاذ أبويها والكبار من مدينة الموتى، مدينة يُسيطر عليها ساحرة احتلال، قوام سحرها هو أن ينسى المُحتلون تحت سُلطتها أسمائهم، ومتى نسي المرء اسمه ينسى هويته.
يُغلف «ميازاكي» قسوة الحبكة التي سقطت فيها الطفلة «شيهيرو» برحمة، لن تواجه «شيهيرو» الدماء أبدًا، لن ترى فناء أحبابها، فقط تحولات تُشبه الأحلام، يتحول أبويها إلى بشر عالقة في أجساد خنازير سمينة، ويتحول صديقها إلى تنين غاضب، يُمكنه مُغالبة جروحه بالطيران ونفث النيران، ويتحول الشبح الذي يُخيفها إلى حرملة سوداء ترتدي وجهًا مُحايدًا.
في أعمال «ميازاكي» تحضر كثيرًا ثيمة التحول كبديل أكثر رقة عن معايشة الطفل للموت والفناء، يُمكن أن يتحول رجل إلى خنزير وتتحول فتاة إلى ساحرة عجوز، وتتحول صبية إلى سمكة، عندما تنضج الشخصية بما يكفي لتختبر الحياة والعالم، عندها يفك «ميازاكي» لعنته ويعود البشر بشرًا. لكن لا أحد يموت، والأهم لا يوجد طفل لشهود الموت.

يقول «ميازاكي» أن الأطفال يفهموا أفلامه بشكل أسرع من الكُبار، لإنها تحولات مجازية، لا أكثر، يُمكن للطفل أن يُسلم نفسه بخفة من مجاز لآخر كأنه يمتطي طائرة «العرعير» الورقية بحثًا عن ملاك فعلي في سماء غزة.
يختلق «ميازاكي» تلك الحيل ببراعة ليتهرب من مشهد في طفولته خلال الحرب اضطر فيه لركوب شاحنة مع أبيه وأخيه لينجو، لكن في خضم هروبهم لم تتوقف تلك الشاحنة لسيدة تحمل طفلتها وتركض خلفهم، شاهد «ميازاكي» الطفل، سيدة تتوسل طلبًا للنجاة لها ولأسرتها، لكن التوقف بات مُستحيلًا، ظلت تلك الحادثة شوكة عالقة في قلب ميازاكي للأبد. لم يكن يجب على طفل أن يرى ذلك، ولن يرى طفل في أفلام ميازاكي الموت والخذلان بتلك الفجاجة أبدًا.
تدور سينما «ميازاكي» بأكملها حول جوهر قصيدة رفعت الأخيرة، تحويل مأساة الحرب العالمية التي ولد في قلبها إلى طائرة ورقية، إلى مجاز يُمكن أن يمتطيه طفل فينجو بطفولته
لا يقصد «ميازاكي» أن يحيا المرء في أكذوبة مجازية تُلهيه عن الواقع إنما يُريد أن يكون المجاز شرنقة مؤقتة لا أكثر، يعرف فيها الطفل نفسه، قبل أن يتجهز لقسوة العالم. ذلك التجهيز الرحيم الذي لم يحدث لميازاكي أبدًا في طفولته

يُمكن تخيل ألف سيناريو قد حدث للأم وطفلتها التي تركها ميازاكي وأبيه في وسط الحرب، يُمكن تخيل طفلة تتوسل للنجاة بينما أمها تُطمئنها بكل الوعود الكاذبة وكل المجازات الخيالية. ذلك مشهد سيظل يطارد «ميازاكي» للأبد لكن السينما لم تُخلق لتوثيق مشهد يواجه فيه طفل فناؤه، يستمع لأكاذيب الكبار ولا ينجو عبرها
في نهاية فيلم
life is beautiful
يموت الأب «غويدو» بعدما حول مُعسكر إ$بادة جماعية إلى مجاز عملاق، لعبة طفولية يُمكن لطفله أن يلعبها، عندما فهم الطفل الأمر كلعبة، نجا، ينتهي المشهد الأخير من الفيلم بدبابة عملاقة للحلفاء تُحرر المُعسكر، ينظر الطفل إلى فوهة الدبابة مُبتسمًا وهو يعتبرها هديته لفوزه باللعبة.
يُفيد التقرير الأخير في حادثة است$شهاد الطفلة «هند رجب» بمواجهة موقف مُماثل تمامًا، لحظة سينمائية لطفلة عالقة في كادر إ$بادة جماعية، تتوسل لأمها لتأتي بينما تُغذيها أمها عبر الأثير بكل الوعود والخيالات المُمكنة لتصمد، ينتهي التحقيق بفوهة «ميرك$افا» حديثة، تميل لمواجهة الطفلة العالقة في سيارتها مع أحبائها الراحلين وتمنحها أكثر من 300 طلقة.
مات «رفعت العرعير» بعد 60 يوم وحسب من الح$رب، نحيا الآن اليوم رقم 285، وقد فرغت جُعبة الكبار من كل المجازات المُمكنة، لم تعد غزة مدينة موتى على طريقة ميازاكي يُمكن احيائها بكسر اللعنة، إنما مدينة تؤطر لأطفالها كل المشاهد التي تجنبها ميازاكي. كل طفل في غزة يُعايش فنائه وجهًا لوجه. كل طفل في ع#زة يواجه فوهة دبابة، وفتحة قذيفة في باطن مُسيرة أو طائرة.
.
يتحدث أحد الأطباء المتطوعين عن طفل عمره عشر سنوات يُدعى «زيكو»، يُجيد «زيكو» تجهيز عربات الاسعاف، يُجيد «زيكو» عد الجثث والكشف عن وجوهها ليتعرفها ذويهم، يُجيد «زيكو» معرفة متى تُجدي الإسعافات الأولية مع أحدهم ومتى يُمكن التسليم بأن النجاة ميئوس منها، لعبة وتسلية «زيكو» الوحيدة لنفسه ولمن حوله هي تقليد صوت سارينة الإسعاف، في إشارة لمصاب جديد أو قتيل جديد.
يقول الطبيب أن الجميع يستمد معنوياته من بشاشة وحيوية «زيكو» لكن الجميع يرتعد كذلك من أنه طفل فقد طفولته للأبد، طفل تحرر من المجازات، لم يعد ينتظر الطائرة الورقية التي ستأتي له بملائكة الأمل، لم يعد يرى الموت تحول مجازي من حال لحال، طفل يوقن بما سيؤول له الحال لو واجه «ميركافا» أو مُسيرة، طفل قد يعرف خلال موته، كم لتر سينزف، وكم سيتبقى له؟، طفل تحرر من شرنقة المجاز للأبد
يقول الكبار في أفلام ميازاكي دومًا:
world is cursed but still you find reasons to keep living
العالم ملعون، لكن يظل عليك أن تجد أسبابًا للنجاة، المجازات هي مطية الأطفال للنجاة، طفل لا يرى العالم بعين مجاز رحيمة، لن يغفر لو نجا للعالم الذي سلبه طفولته أبدًا.
الصور لطفلة غزاوية من تصويرFadi A Thabet
طفلة تحمل ملامحها عُمر ألف عام، تغزو الشعيرات البيضاء رأسها، طفلة رأت كل شيء، عاريًا من مجازه




التعليقات
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا تعليقات بعد. كن أول من يكتب واحدًا.