في اللحظة التي توقن فيها «يوليا» أنها لا تستطيع الحياة بدون «أكسل»، تُقرر أنها اللحظة نفسها المُناسبة لتركه للأبد!

يُخبرها «أكسل» أن الحُب بينهما حقيقيًا، وهو شيء شديد الندرة بهذا العالم، آخرون يُقاتلوا للأبد دون أن يجدوا طيفًا منه.

يبدو «أكسل» مثل رحالة اختبر العالم بكل تجلياته، أبحر في كل المشاعر، وعبر كل الأزمنة قبل أن يعود لها بهذا اليقين. يمتلك «أكسل» الشجاعة لوضع كينونته وهويته التي خلقها بعناية وصبر بين يدي يوليا دون قلق.

مشهد من فيلم "worst person in the world-2021"
مشهد من فيلم "worst person in the world-2021"

بينما تكمن أزمة «يوليا» أنها لم تختبر شيء بعد في العالم، لم تطور هوية كاملة بعد مثله تستطيع أن تقايض بها المجهول ووعوده بيقين ما تملكه الآن.

لذلك ترتعد من فيض حُبها لأكسل، تُشبه وجودها في حضرته بغزالة بامبي البريئة التي تأمن لغابتها وراعيها، لكنها غزالة تسير على بحيرة ثلج هش، لو تركها أكسل ذات يوم أو لم يمنحها باستمرار تعريفها لنفسها ستغرق، لذلك عليها أن تتركه لتخلق هويتها وتعريفها لنفسها.

تُلخص «سوزان عليوان» ببراعة شعرية الوعد الذي لم تُصدقه يوليا أبدًا بقولها:

“من أحب إنساناً

أحب الناس جميعاً”

الحب هو الجذر المخبوء خلف كل تجارب الخلق كافة، بدءًا من الشاعر الجاهلي الذي يقف على الأطلال ليتذكر حبيبته، وصولًا للتطبيق الافتراضي المؤنث الذي يستعيض به رجل وحيد في المستقبل عن حُب لم يجده أبدًا.

لا يُمكن لإنسان أن يختبر الخلق جميعًا، والأزمنة كافة، والتجارب كلها، مثلما تمنت يوليا، لكن الحُب هو الرحمة الوحيدة التي تعدك أنك باختبارها تكون اختبرت طيفًا من كل ما يبحث عنه البشر في كل بقعة وزمن. فمن أحب إنسانًا كأنه أحب الناس جميعًا.

أرادت يوليا أن تكون طبيبة، فنانة، نسوية، وثورية، أن تتمرد على أبيها وزمنها، امتشقت السيوف كافة في معركتها ضد معاني مُجردة، لكنها لم تواجه عدوها الوحيد، خوفها من سُكنى وصال واحد، يُغنيها عن النظر للضفة الأخرى، التي تبدو دومًا أكثر اخضرارًا مما تملكه.

كل أحلام يوليا تحمل جذرًا واحدًا وهو الرغبة في التمرد على كادر مُحكم وتحطيمه، لذلك يبدو مشهد تحررها الأكثر جمالًا في الفيلم هو خروجها من المنزل للركض في العراء، بينما الجميع حولها مُجمدون في كادراتهم وقصصهم، تحيا هي حرة من أي قصة تأسرها،

لكن في سبيل تحطيم كل السجون، يظل العراء الشاسع فضاءًا باردًا ليسكنه انسان.

تُلخص الناشطة «أروى صالح» في كتابها الأجمل «المبتسرون» مأساة يوليا، عندما تقول أن إخفاقها الجمالي الوحيد كان عجزها عن إيجاد رابطة إنسانية بشخص واحد، تقول أروى برقة:

“كل أحلام العالم لا تغنيك عن لحظة الدَّفا اللي يقدر يديها لك وجه إنساني”

تستعيد «يوليا» وصال «أكسل» في أيامه الأخيرة، يبدو رغم مرضه ونحوله وآلامه، أكثر حضورًا منها، يبدو كرجل اختبر كل شيء في عالمه، يبدو كرجل وجد الحب وامتلك شجاعة وصاله وقبول التحطم برفضها اياه، يخاف الموت لكنه لا يندم أبدًا لأنه لم يضيع فرصته إنما هي من تركته.

تمنح «يوليا» أكسل عناقًا أخيرًا، تُتوج حبه بنهاية يستحقها، يموت «أكسل» محبوبًا، بينما توقن «يوليا» أنها فوتت القصة الأجمل على الإطلاق، وكل ما سيأتي بعدها سيكون مُحاكاة لا أكثر.

مشهد من فيلم "worst person in the world-2021"صورة مقترحة للثامبنيل
مشهد من فيلم "worst person in the world-2021"صورة مقترحة للثامبنيل

يصف الفيلم «يوليا» بأسوأ شخص في العالم، الشخص الذي يُحطم كل من أحبوه في سبيل، عشب الضفة الأكثر اخضرارًا، في سبيل الجمال الذي لم يأتي بعد، تصير «يوليا» في النهاية أكثر الأشخاص حزنًا في العالم عندما توقن أن الضفة الأكثر اخضرارًا ستكون دومًا في ذكرياتها مع أكسل، الوعود ستنتمي للماضي والذكريات، بينما سيصير المستقبل اجترارًا لها، وكما تقول أروى صالح في حزنها الأخير :

“لقد اتضح أن الذكريات ليست أساسا كافيا لإقامة علاقات إنسانية.”

تقف يوليا في النهاية وحيدة، تُطل على حيوات من أحبتهم وهي تستمر بينما هي مُجمدة في زمنها، نقيض حلمها القديم بالتحرر، يبدو الخلق كافة يركضون وهي واقفة. في انتظار مُحب لن يأتي