أن تختبر الحياة عبر فريقك المُفضل
أسرة مصرية تنتمي للطبقة المتوسطة، تسرد حكايتها من نكسة 1967 حتى عام 1984، وتتقاطع حياتها اليومية مع الأحداث الكُبرى التي مرت بها مصر في تلك الفترة.


تبعًا لعلم النفس، تمنحنا الرياضة أحيانًا ما يُسمى
تجربة بالإنابة
Vicarious Experience
عندما يُقاتل فريقك المٌفضل من أجل الفوز، ويتحمل الهزائم واللايقين، وضغط اللحظات الحاسمة، ثم يُحقق النصر، يحيا المشاهد عبر فريقه تلك الخبرات الشعورية كأنها تخصه. رغم أنه لم يتحرك إنش خارج مقعده ليحيا تلك الخبرات في العالم الخارجي. ولكن فريقه اختبر ذلك بالنيابة عنه.
ولتقريب فجوة العجز بين الفريق البعيد في مربع التلفاز، والمٌشاهدين العالقين في مقاعدهم، تمتلك الأسرة طقوسًا تفاؤلية /تشاؤمية في ترتيب مقاعد الجلوس والمشاهدة، تمنح تلك الطقوس لأسرة راغب إيمان بقدر من الفاعلية يُعوض عجزهم، وعيشهم بالإنابة، إيمان كاذب أن جلستهم تؤثر في سير المُباراة، وتساعد فريقهم المفضل على الفوز أو تُقربه من الهزيمة


يقرر أحمد كذلك تجربة الكتابة بالمُراسلة لغريب، ولكن بقدر عمق اختبائه في جُحره، يقذف أحمد رسالته إلى عالم أبعد بكثير من وطنه، إلى غريب يسكن في قارة أخرى، لذلك عندما تأتيه رسالة من صديقة بالمراسلة تُدعى إليزابيث، لا يعرف حتى أين تقع بلدها النمسا؟، ويؤطرها إخوته بسُخرية باتهام يليق بحياة الجحور وبالسردية الجمعية لزمنهم، باعتبارها خطر خارجي أو جاسوسة!
حلزون يزحف خارج صدفته، نحو العالم

من يحكي تلك الحكايات؟!
يحمل عنوان الفيلم، رغم تعريفه بالألف واللام، قدر من المجهولية تُكسبه خفة لا تُحتمل، يجعل القصص تسبح في فضاء ساكن، دون وجهة، ودون إرادة تتأله عليها بقصد أو مُنتهى تصل له
أن يروي أحمد حكايته على طريقة ويس أندرسن
من يروي تلك الأحداث وبأي منظور نراها؟!
لو آمنت بنفسك سوف تنجو من الأيام المظلمة




تصور الكاميرا الميدان بنقيض اتساعه، يبدو لعيوننا أقرب لناصية ضيقة، لا ساحة شاسعة، وهذا يجعله أقرب للمسرح. وعلى خشبته يستضيف المخرج ( أبو بكر شوقي ) أحداثًا تاريخية سطرت حضورها على مساحات أكبر في الواقع. مثل مظاهرات إنتفاضة الخُبز 1977.

self-contained worlds
عوالم قائمة بذاتها، يستدعيها راوي من ذاكرته أو من منظوره النفسي العاطب، ولذلك تحضر وهي مٌصابة بكل أمراض الذاكرة والمنظور.
تستطيع مبالغات المنظور والذاكرة بداخل أحمد أن تفسر كيف أن حارة صغيرة تٌشبه ميدان؟ وأن تجعل الأحداث الملحمية مثل تتابعات عابرة على مسرح ضيق. وتجعل أزيز الطائرات من سردية جمعية يقتحم لحظة شخصية ويفرض حضوره. وتختزل سرديات الإعلام والسياسة والخبراء في صوت وصورة رجل واحد لا يتغير عبر العصور، وتٌختزل شخصية الخصم والمنافس في صورة شخص واحد لا يتغير عبر العصور.
نجح أبو بكر شوقي في رواية حكاية من منظور شخصي ولكن غاب التأسيس القوي لحضور الراوي الذي يقدم هذا المنظور
أن تُروى حكاية مصر بعيون إليزابيث
نحن مختلفين، ولكن العائلة واحدة في كل مكان!
تحمل تلك العبارة شيئًا من الصحة، يؤطره أبو بكر شوقي بذكاء في مشاهد بعينها، حيث يواجه الشاب أحمد أب نمساوي يٌشبه كل الآباء المصريين في غريزته الحمائية لإبنته، وخوفه عليها من كل غريب يطرق بابه، وتلذذه ببث الخوف في نفوس خُطابها كي يختبر رجولتهم
في يوم زفاف أحمد واليزابيث، يجلس راغب مع والد اليزابيث، يُدخنا التبغ في الشرفة مثل صديقان، ويحضر التفاهم بين أب مصري شرقي و أب نمساوي. باعتبار أن كليهما تجمعهما أبوة تخاف على الأبناء من الآخر الغريب. ويتقبلا باستسلام لذيذ كونهما في النهاية ورغم كل شيء باتا عائلة واحدة.
بينما تبكي الأم فيروز وأم اليزابيث، وهما ينظران إلى أبنائهما في الزفاف، لا يحتاج البكاء في تلك المناسبة إلى مُجاوزة حاجز اللغة لشرحه فالغريزة الأمومية تكفي.

لا تختبيء إليزابيث من العالم إنما تندفع لاقتحامه واختباره، مثلما سافرت في صباها إلى الاتحاد السوفييتي لاختبار جنة الشيوعية، قبل أن تتخلى عن الإيمان بها. ومثلما سافرت إلى مصر لاستكمال قصة حُبها مع عاشق من الشرق الأوسط، وقررت بشجاعتها هي البقاء والزواج منه.

لم يكن أحمد ليسطر اسمه على باسبور مُتجه لأوروبا، لو جاء خطاب الاستدعاء له لا لأخيه التوأم، كان يُمكن أن يُسطر الإسم ذاته على شاهد قبر عسكري
لذلك تتشرب إليزابيث هذا العبث حتى الثُمالة، وتحتفل أخيرًا بنجاح زوجها في عزف لحن يكفل له صورة مع الرئيس، لإنها تدرك أنها في قوانين هذه البلاد المثيرة التي تعيش فيها، تلك الصورة سوف تكفل لزوجها قصته التي سيرويها حتى يموت.
حين يولد روائي يحل الدمار على الأسرة
"حين يولد روائي يحل الدمار على الأسرة"
تبدو تلك العبارة شديدة التكلف عندما تخرج من أم مصرية عادية، لأنها عبارة أنيقة أدبيًا، لا تتحدث عبرها الأم عن خوفها من امتهان أبنائها مهنة بلا مستقبل مثل الكتابة، لكنها تُعبر عن جوهر الفكرة التي يمثلها فيلم القصص.





Comments
Sign in to join the conversation. Sign In
No comments yet. Be the first to write one.